علي بن يوسف القفطي

192

إنباه الرواة على أنباه النحاة

نبعه ، ونتفرّج به ، فشحّت نفسي بالكتب ، وقلت لها : أمهلينى ( 1 ) بقيّة اليوم والليلة ، فاللَّه مرجوّ الفرج ، فما دخل الليل حتى دقّ الباب ، فقلت : من ؟ قال : رجل ، قلت : ادخل . قال أطف ( 2 ) السراج ؛ قال : فكببت على السراج شيئا ، ودخل فوضع شيئا كان معه إلى جانبي ، [ وانصرف ] ( 3 ) ، فرفعت الغطاء عن السّراج ، فإذا شئ ملفوف ، فكشفته فإذا هي أطعمة ، وإذا فيها قرطاس فيه خمسمائة درهم ، فقلت للمرأة : أنبهى الصّبيّين ليأكلا ، وأوفى ما علينا من دين . فلما أصبحت جلست على باب الدار ، وإذا رجل معه جملان محمّلان ، وكان الحاجّ ( 4 ) الخراسانيّ قد قدم ، وهو يسأل عن بيت إبراهيم الحربيّ ، فقلت له : أنا إبراهيم ، فقال : قد سيّر إليك رجل من خراسان هذين الحملين ، وهما ورق خراسانيّ ، فقلت : من هو ؟ فقال : قد أحلفنى ألَّا أذكر لك اسمه ، فأخذتهما منه ، ودعوت اللَّه لمرسلهما وللحامل . وسيّر إليه المعتضد ( 5 ) عشرة آلاف درهم ، فلم يقبلها ، فقيل له : فرّقها في جيرانك ، فقال للرسول : قل لأمير المؤمنين : هذا مال ما تعبنا في جمعه ، فلا نتعب في تفريقه ، فإن تركنا أمير المؤمنين ، وإلا رحلنا من جواره . وسيّر إليه المعتضد وهو مريض ألف دينار ، فلم يقبلها وردّها ، فخاصمته بنته ، فقال لها : أتخشين إذا متّ الفقر ؟ فقالت : نعم . قال لها : في تلك الزاوية اثنا عشر ألف جزء حديثية ولغويّة وغير ذلك ، كتبتها بخطَّى ، فبيعى منها كلّ يوم جزءا بدرهم . ومن له اثنا عشر ألف درهم ليس بفقير !

--> ( 1 ) في تاريخ بغداد : « اقترضى لهما شيئا ، وأنظرينى بقية اليوم والليلة » . ( 2 ) أطف : أصله « أطفىء » ، فسهلت الهمزة إلى إليا ، ثم حذفت . ( 3 ) زيادة من تاريخ بغداد . ( 4 ) الحاج : اسم بمعنى الحجاج . ( 5 ) هو أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد باللَّه الخليفة العباسيّ ؛ بويع بالخلافة سنة 279 ، وكان مصلحا محمود السيرة ، توفى سنة 289 ه الفخري ص 225 .